الأخبار – مي زيادة

الأخبار – مي زيادة

مي زيادة .. الأديبة العاشقة رمز الإبداع والوفاء

مي زيادة تعد واحدة من أعلام الثقافة العربية، ليس فقط لإنتاجها الأدبي الغزير المنوع ما بين المقالة والرواية

والشعر والنقد الأدبي والاجتماعي، بل لأن مي زيادة أفنت عمرها محاولة الارتقاء بالمستوى الثقافي للشعب

العربي، وسعت لتحقيق ذلك الهدف السامي بشتي السبل التي أتيحت لها.

مي زيادة 

مي زيادة واحدة من رائدات الأدب النسائي خاصة والأدب العربي بصفة عامة.. فكيف كانت مسيرتها؟ وما الإنجاز

الذي حققته خلالها؟ وما الأثر الذي تركته؟

الميلاد والأسرة :

مي زيادة واسمها الحقيقي ماري بنت ألياس زيادة، وُلِدت الحادي عشر من فبراير عام 1886م وذلك بحي الناصرة

الفلسطيني، والذي يقع اليوم ضمن الجزء الشمالي من الدولة الخاضع لقوات الاحتلال الإسرائيلي. كانت مي زيادة

هي الابنة الوحيدة لأب من أصول لبنانية وأم فلسطينية، ونشأت مي في كنف تلك الأسرة البسيطة المسيحية

الأرثوذوكسية، وقد تأثرت مي زيادة بدرجة كبيرة بوالدها، الذي كان دائماً ما يحثها على التعلم والإكثار من القراءة

والمطالعة وهو الذي جعل لديها ذلك النهم إلى العلم والمعرفة.

الدراسة :

بدأت مي زيادة رحلتها مع التعليم من خلال مدرسة عين طوره الفلسطينية حيث تلقت بها التعليم الأساسي، ثم

انتقل بها والدها إلى مصر وبها استكملت دراستها إلى أن التحقت بكلية الآداب، وفي وقت لاحق درست الأدب

العربي والتاريخ الإسلامي بجانب بعض الدراسات الفلسفية.

تعليم مي زيادة لم يقتصر فقط على التعليم الأكاديمي الذي تلقته في المدارس والجامعة فحسب، بل إنها عملت

على تعليم نفسها بنفسها، فكانت كثيرة المطالعة والقراءة والبحث بمختلف ميادين العلم، بجانب إنها تمكنت من

إتقان عدد من اللغات الأجنبية، منها اللغة الإنجليزية والألمانية والأسبانية والإيطالية، أما التي تعمقت بدرجة كبيرة

في دراستها فقد كانت اللغة الفرنسية والتي كانت تتحدثها بطلاقة، حتى إنها كتبت بها بعض الأشعار، وبلغ عدد

اللغات التي أتقنتها مي زيادة تسع لغات حية.

الأخبار – مي زيادة

بداية رحلتها مع الأدب :

بدأت مي زيادة مسيرتها الأدبية والإبداعية وهي لا تزال في مرحلة الصبا، حيث قامت بنشر عدد كبير من المقالات

المتنوعة ما بين المقالات الأدبية والنقدية والاجتماعية، والتي نشرت على صفحات كبرى الجرائد والمجلات المصرية

في ذلك الوقت، مثل المقطم والزهور والهلال والمقتطف وغيرها، وقد جذب أسلوبها الرشيق والشيق عمالقة الثقافة

والأدب في هذا الزمان.

مي زيادة كاتبة :

استهلت مي زيادة عملها الأدبي خلال عام 1911م حين أصدرت أول كتبها، والذي كان عبارة عن ديوان شعري

نظمته باللغة الفرنسية، ومنذ ذلك الحين توالت إصداراتها التي تنوعت ما بين دواوين شعرية وروايات وكتب وغير

ذلك، ومع الوقت تعاظمت شهرة مي زيادة إلى أن صارت واحدة من أهم كتاب عصرها، وأحد أهم الكتاب في تاريخ

الثقافة العربية بصفة عامة، ومن أهم أعمالها:

باحثة البادية
ابتسامات ودموع
نعم ديوان الحب
غاية الحياة
كلمات وإشارات

إسهاماتها في الميادين الثقافية :

لم يقتصر دور مي زيادة في الحياة الثقافي على تدوين الكتب وكتابة المقالات ونظم الأشعار، بل إنها قامت بإصدار

بعض الصحف، كما كانت تعقد صالوناً أدبياً بيوم الثلاثاء من كل أسبوع، تدعو إليه كبار الأدباء والمفكرين لمناقشة

الأمور العامة وتحليلها وطرح الأفكار والرؤى، هذا بجانب أن مي زيادة وهي في قمة مجدها كانت تعمل على تدريس

الإنجليزية والفرنسية بهدف الارتقاء بالمستوى الثقافي للفتيات الشرقيات وتمكينهن من الاطلاع على المزيد من

المعارف والثقافات.

أثرها وإنجازها :

إنجازات مي زيادة تفوق ما يمكن حصره، ويكفيها الإرث الثقافي الغزير الذي تركته ممثلاً في عشرات الكتب

والمقالات والأشعار التي كتبتهم بالعربية والفرنسية والألمانية، أما تأثيرها الأبرز فيتمثل في خرقها للحصار الذكوري

الذي كان مفروضاً على الوسط الأدبي بتلك الفترة، مُبرهنة على أن الأدب ما هو إلا عمل إبداعي عقلي لا فرق به

بين رجل وامرأة، وقد اتسمت أعمالها بالعمق الفكري وجمال اللغة ودقة الشعور.

الأخبار – مي زيادة

مي وجبران :

قصة حب مي زيادة وجبران خليل جبران من قصص الحب التي قُدِر لها الخلود، فهما في نظر الناس قيس وليلي أو

عنتر وعبلة العصر الحديث؛ ذلك لأن الظروف التي أحاطت بقصة غارمهما كانت فريدة ومميزة كما أن القصة نفسها

تتسم بدرجة كبيرة من الغرابة.

يكفي القول بأن مي زيادة قد ارتبطت عاطفياً بالشاعر والأديب اللبناني جبران خليل جبران على الرغم من أنهم لم

يلتقيا ولو لمرة واحدة خلال حياتهما، وكان التواصل بينهما يتم من خلال الرسائل والخطابات المتبادلة، ورغم ذلك لم

يُقدم أي منهما على خوض تجربة الزواج من آخر، بل والأكثر من ذلك أن مي زيادة قد تعرضت لأزمة نفسية عصيبة

بعد وفاة جبران خليل جبران في عام 1931م، وظلت مخلصة له ورفضت أن تتزوج من آخر حتى وفاتها في عام

1941م.

الأزمة النفسية :

تعرضت مي زيادة لأزمة نفسية وعصبية حادة بعد فقدانها لكل لأحبائها في غضون ثلاث سنوات تقريباً، حيث توفي

والدها عام 1929م ثم توفي جبران خليل جبران بعد عامين فقط في 1931م ثم فقدت والدتها في 1932م. عانت مي

زيادة من حالة اكتئاب حاد مما دفع أصدقائها في القاهرة إلى إرسالها لذويها في لبنان، لكن حياتها هناك كانت أسوأ

حالاً من حياتها في القاهرة، حيث تمت معالمتها بشكل سىء من قبل أقاربها اللذين قاموا بالحجر على ممتلكاتها

بعدما أودعوها بإحدى المصحات النفسية. وقد حظيت قضية مي زيادة مع أقاربها باهتمام الشارع العربي، وتمت

مهاجمتهم على صفحات الجرائد والمجلات التي استنكرت أن تتم معالمة قامة أدبية مثل مي زيادة بذلك الأسلوب

المُشين.

مكثت مي زيادة داخل المصحة النفسية لمدة تسعة أشهر، ازدادت حالتها خلالهم سوءاً بسبب جحود أقاربها

ومعاملتهم لها بذلك السلوك السىء، بعد مغادرتها للمصحة أقامت فترة في بيت الكاتب أمين الريحاني، ثم قررت

مغادرة لبنان بالكامل، وقضت السنوات الباقية من عمرها متنقلة بين لندن والقاهرة وروما باحثة عن أي شىء يمكنه

أن ينسيها أحزانها، وحين أيقنت بأن ليس هناك ما يمكنه هزيمة تلك الأحزان استسلمت لها، وعادت إلى القاهرة

واستقرت بها بشكل نهائي.

الوفاة :

توفيت مي زيادة في السابع عشر من أكتوبر 1941م داخل مستشفى المعادي بالقاهرة عن عمر يناهز 55 عاماً

وتم تشييع جثمانها في جنازة لا تليق بقائمة أدبية مثلها، فلم يحضرها إلا ثلاثة فقط من الوسط الأدبي هم أنطوان

الجميل وأحمد لطفي السيد وخليل مطران، وكُتبت العديد من المقالات والأشعار في رثاء مي زيادة أبرزها ما كتبته

السيدة هدى شعراوي حيث وصفتها بالنموذج الأمثل للفتاة الشرقية المثقفة والمنفتحة والراقية.

الأخبار – مي زيادة

دراسات حول مي زيادة :

عُقِدت العديد من الدراسات حول الأديبة العربية مي زيادة ،وعلى خلاف المعتاد لم تقتصر تلك الدراسات على تحليل

النصوص الأدبية أو الأبيات الشعرية التي نظمتها، بل أن الحياة الشخصية للأدبية قد جذبت انتباه عدد من الباحثين

وخاصة العلاقة العاطفية الفريدة التي ربطتها بالشاعر اللبناني جبران خليل جبران.

لعل أبرز ما كُتب عن مي زيادة كان الدراسة التي أعدها الكاتب المصري دكتور خالد غازي، والتي نشرتها في كتاب

بعنوان (مي زيادة.. حياتها وسيرتها وأدبها وأوراق لم تنشر)، والذي قال في مقدمته أن حياتها كأديبة وعاشقة

ومُعذبة جديرة بالتوقف أمامها وتأملها طويلاً، وقد نال خالد غازي جائزة الدولة التشجيعية عن هذا الكتاب.