العاشق والمبدع المناضل جبران خليل جبران

العاشق والمبدع المناضل جبران خليل جبران

حين يكون المقصود بسؤال “من هذا ” شخص مثل جبران خليل جبران ،فإن إجابة واحدة لا تكفي، وذلك لأنه شخص

واحد ولكن له العديد من الأوجه، فهو المبدع والعاشق والمهاجر شديد الانتماء للوطن.

الميلاد والمعاناة :

في العاشر من يناير 1883م ولد جبران خليل جبران في لبنان، أو ما كان يعرف آنذاك باسم متصرفية جبل لبنان

بحسب التسمية العثمانية، لأم تدعى كاملة رحمة وأبوه هو خليل جبران الأب، وقد عانى الطفل منذ ميلاده بسبب

لهو أبيه ومجونه، فقد كان يعرف الرجل بسوء السلوك والانغماس في حياة السُكر والقمار واللهو، وهو ما أودى به

في النهاية إلى السجن، لإدانته بتهمة الاختلاس نتيجة تراكم الديون عليه ومصادرة أملاكه، مما دفع الأم إلى اتخاذ

القرار بالهجرة إلى الولايات المتحدة بصحبة جبران وأخوته بطرس وماريانا وسلطانة.

التعليم :

نتيجة للهو الأب وانشغاله بحياة المجون لم يحظ جبران خليل جبران بفرصة جيدة للتعليم في صغره، فكانت أمه

عاجزة عن سداد رسوم المدرسة وكان أبيه غير مهتم بذلك، ولكن كان البلد ويدعى الأب جرمانوس، تطوع لتعليمه

مبادئ كتابة وقراءة اللغة العربية وتعاليم الكتاب المقدس، كذلك الشاعر سليم الضاهر ساهم في الارتقاء بمستوى

إتقانه للقراءة، لكن أول تعليم أكاديمي حظي به جبران في طفولته، فقد كان بعد هجرته مع أسرته إلى أمريكا

والإقامة بولاية بوسطن، حيث تم إلحاقه هناك بمدرسة مخصصة للمهاجرين، وحين أدرك معلميه موهبته في

الرسم، ألحقوه بمدرسة فنية لتنمية هذه الموهبة، حيث تولت الإشراف عليه المعلمة دجيسي بيل والتي كان

جبران دائم الذكر لها ويدين لها بالفضل.

العاشق والمبدع المناضل جبران خليل جبران

حبه لمي زيادة :

قصة الحب التي جمعت بين جبران خليل جبران ومي زيادة، وكلاهما من أهم مثقفي العرب ومبديعهم، تستحق أن

تخلد في التاريخ شأنها شأن كافة قصص الحب الشهيرة، سواء كانت خيالية أو حدثت على أرض الواقع، فحب قيس

وليلى وعنتر وعبلة وروميو وجوليت لا يقل لوعة أو وفاءً، عن ذلك الحب الخالص الذي جمع بين جبران ومي زيادة

فلمدة عشرون عاماً ظل جبران خليل جبران مُخلصاً لمي، ولم يُعرف إن كان في حياته امرأة سواها، أما مي زيادة

فهي تشتهر بكثرة عاشقيها، وقد تلقت العديد والعديد من طلبات الزواج، ولكنها أبت أن تكون زوجة لأحد غير جبران

والعجيب في هذه القصة هي إن كل منهما كان يحيا في بلدة مختلفة، فـ جبران كان في ذلك الوقت قد حصل على

الجنسية الأمريكية، واستقرت إقامته في الولايات المتحدة، أما مي زيادة فكانت قد غادرت موطنها فلسطين واستقر

بها الحال بالقاهرة المصرية، ولمدة عشرون عاماً كانت علاقة مي وجبران من خلال المراسلات فقط، وتلك

المراسلات لم تنقطع سوى بوفاة جبران خليل جبران في 1931م، وظلت مي زيادة مخلصة في حبها له على الرغم

من عدم زواجهما، فلم تقبل الزواج من أي شخص آخر حتى وافتها المنية بعد عشرة سنوات، وتحديداً في 17 أكتوبر

1941م.

اعتقاده ومواقفه من الأديان :

جبران خليل جبران إن نظرنا إلى مرجعه وخلفيته الدينية فسنجدها الديانة المسيحية، وقد أراد البعض مهاجمته

والحط من شأنه، فاستغلوا ثورته على العقائد الدينية في بعض أعماله، وقالوا بأن خليل جبران من خلال أبياته يُعادي

الإسلام، الأمر الذي أنكره جبران بدوره ورفضه شكلاً وموضوعاً، مؤكداً –وكتاباته تشهد على صدقه- إنه يكن الاحترام

للإسلام كدين وكحضارة، وإنه يتمنى أن تعود أمجاد الحضارة الإسلامية لوطنه العربي مجدداً، إنما ما يرفضه فعلاً هو

تسَيُس الأديان أي إدخال العقائد الدينية في السياسة، وهو في هذه النقطة يرفض تسيس الإسلام بقدر رفضه

لتسيس المسيحية، وهذا أمر آخر يمكن الاستدلال عليه من خلال مطالعة إنتاجه الأدبي.

تأسيسه الرابطة القلمية :

لعبت الرابطة القلمية دوراً بارزاً في الارتقاء بالأدب العربي وتجديده، وشكلت درع الحماية بالنسبة له من التراجع

والطمس، ووفقاً لما أورده إسكندر نجار في كتابه المتناول لسيرة جبران خليل جبران والمتناول سيرته الذاتية، أكد

على أن جبران وميخائيل نعيمة ونسيب عريضة وعبد المسيح حداد هم النواة الأولية لهذه الرابطة، بجانب عدد من

المثقفين العرب المهاجرين، ولكن الفضل الأول في تأسيسها يعود إلى شاعرنا جبرنا خليل جبران ،إذ أنه أول من

راودته هذه الفكرة فعرضها على رفقاء المهجر فتحمسوا لها.

إنتاجه الأدبي :

يتميز إنتاج جبران خليل جبران الأدبي بتنوع فريد، فالتنوع هنا على عكس العادة لا يقصد به تنوع الموضوعات أو

القضايا أو الأساليب، بل إنه تنوع اللغات التي صاغ بواسطتها أدبه، فلخليل جبران مؤلفات عديدة باللغة العربية وهي

تشكل النسبة الأكبر من أعماله، بجانب عدد آخر من الدواوين الشعرية والكتب والتي صاغها من البداية باللغة

الإنجليزية، والنسخ العربية المتوفرة منها هي مجرد ترجمات، لم يقم بها جبران خليل جبران بنفسه، وما يجعل من

هذا التنوع أحد عوامل تميز إنتاج جبران الأدبي، هو إنه اتقن استخدام اللغتين العربية والإنجليزية لغوياً وفنياً، وكأن

كلتاهما لغته الأم.

العاشق والمبدع المناضل جبران خليل جبران

أ) من أمثلة أعماله العربية :

البدائع والطرائف

عرائس المروج

الكواكب

رواية العواصف

الأرواح المتمردة

الأجنحة المتكسرة

أ) من أمثلة أعماله الإنجليزية :

رومل وزبد

يسوع بن الإنسان

أرباب الأرض

ديوان النبي، وهو يعد أشهر أعماله التي نظمها باللغة الإنجليزية ويتألف من 26 قصيدة شعرية.

وجدير بالذكر هنا إن النسبة الغالبة وربما جميع أعمال جبران خليل جبران قد تُرجمت لأكثر من لغة، وخاصة ديوانه

الشهير “النبي”، إذ بلغ عدد اللغات التي تُرجم إليها قرابة الـ20 لغة.

الإنجاز الأكبر :

جبران خليل جبران كأي مبدع إنجازه الأكبر والأشهر يكمن فيما أبدعه، ولكن ما يجعل وصف إنتاجه الأدبي بالإنجاز

وصفاً عادلاً، هو إنه كان يتعامل مع الأدب باعتباره سلاحاً قوياً، كان يؤمن بقوة الكلمة وقدرة الشعر على إحداث

التغيير، وكان أدبه خاصة وكتاباته بشكل عام، عادة ما تتناول العديد من القضايا، وخاصة القضايا السياسية التي

فرضت نفسها على ابناء عصره، وأهمها خلاص أمته العربية من التبعية إلى الدولة العثمانية، فقد كان يرى جبران إن

الفن ذو قوة تفوق في أحيان كثيرة قوة القذائف والمفرقعات.

التكريم :

ما أنتجه جبران خليل جبران من إبداعات أدبية وثقافية، ما كان من الممكن أن يمر مرور وكان لابد من توقف الأجيال

التالية أمامه، وصحيح إن جبران قد حظي خلال حياته باحترام وتقدير جم من الجميع، لكنه لم يحظ بالتكريم اللائق

بشاعر وفنان في مثل قدراته، ولكن ذلك التكريم جاء في وقت لاحق، وللآسف قد كان بعد وفاته، وكان تكريم جبران

تكريماً غير تقليدي، فلم يتمثل في منحه الألقاب أو الأوسمة الشرفية، بل كان تكريم من نوع آخر ومن أمثلته:

تم إقامة نصب تذكاري لـ جبران خليل جبران بالعاصمة الأمريكية واشنطن.

تم إقامة تمثال له بمدينة بيلو هوريزونتي البرازيلية.

تم تناول أعماله وسيرته من خلال العديد من المؤلفات والدراسات.

تم تخصيص متحف له بلبنان يُعرف بمتحف جبران.

الوفاة :

في العاشر من أبريل عام 1931م وعن عمر يناهز 48 عاماً فارق جبران خليل جبران الحياة، بعد أن تداعت حالته

الصحية نتيجة إصابته بمرضي السل والتليف الكبدي، وكان ذلك في نيويورك بالولايات المتحدة، لكن كانت وصيته

الأخيرة قبل الوفاة أن يتم دفنه في وطنه الأول لبنان، وقد تحققت هذه الأمنية بعد عام من وفاته إذ نقلت رفاته إلى

لبنان، وتم تحويل موقع دفنه في وقت لاحق إلى متحف خاص به يعرف باسم متحف جبران.